الشيخ محمد رشيد رضا

20

الوحي المحمدي

السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النساء : 153 ] إلخ ، فهو تعالى يقول له : إن أولئك المشركين ينكرون وحى اللّه إليك وإلى غيرك ، وإنّ هؤلاء الجاحدين يكتمون الشهادة بنبوتك وبشارة أنبيائهم بها لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ [ النساء : 166 ] إلخ . فأما شهادته تعالى فقد بينها بيانا مستأنفا لوقوعها جوابا لسؤال مقدر ، وهو قوله : ( أنزله بعلمه ) أي أنزل هذا القرآن الذي أوحاه إليك متلبسا بعلمه الخاص الذي لا تعلمه أنت ولا قومك من تشريع وحكم وآداب وعبر وأخبار غيب سابقة وحاضرة وآتية ، بأسلوب معجز للبشر . وهو ما يفصله هذا الكتاب بالشواهد من السور العديدة ، وأما شهادة الملائكة له فما أخبر به تعالى من نزول الروح الأمين جبريل عليه السلام بهذا القرآن ، وما أيده به يوم الفرقان يوم التقى الجمعان في غزوة بدر ، وكذا غزوتا الأحزاب وحنين ، وفي أحوال أخرى . هذه الشهادة من اللّه بهذا القرآن الذي لا يمكن أن يكون إلّا من اللّه حقّ لا ريب فيه ، وهي أظهر من شهادة يوحنا ( يحيى ) للمسيح - عليهما السلام - إذا روى يوحنا أنه قال : ( 5 : 13 إن كنت أشهد لنفسي فليست شهادتي حقا 32 الذي يشهد لي هو آخر وأنا أعلم أن شهادته التي يشهدها لي هي حق 33 أنتم أرسلتم إلى يوحنا فشهد للحق ) ، وكذلك هي أظهر وأقوى من شهادة المسيح لنفسه فيما رواه يوحنا أيضا ، إذ دعا اليهود إلى اتباع النور الذي جاء به ( 8 : 13 ) . فقال له الفرّيسيون : أنت تشهد لنفسك شهادتك ليست حقّا 14 فأجاب يسوع وقال لهم : ( وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتى حق ) ، وقد صدق عليه السلام في أن شهادته لنفسه حق ، ولكن لا تقوم بها الحجة على الخصم ، وأما شهادة اللّه تعالى لنبيه في القرآن فهي حجّة على كلّ أحد يعجز عن الإتيان بمثله ، فهي إذن حجة على كل أحد . ( الخامسة ) الإخبار في الآيات 167 - 169 بحال الكفار الذين يتعدى ضررهم إلى غيرهم من الناس ، بصدّهم النّاس عن سبيل اللّه وهي الإسلام ، وبظلمهم لأنفسهم وللناس ، وكون جزاؤهم بحسب سنة اللّه في أنفس البشر ونظام الاجتماع أن يظلوا سائرين على طريق الباطل والشر والموصلة إلى عذاب جهنّم . إذ لا يغفر اللّه تعالى لهم إلا بتزكية أنفسهم بالإيمان والعمل الصالح الذي يهدى إليه الوحي ، وقد صاروا بضلالهم في أشد البعد عنه خلافا لما يقوله الكفار من نيل المغفرة بجاه الشفعاء الشخصي مع بقاء الأنفس على